أنت هنا

أنت هنا

  • في مستشفى جامعة الآغا خان في كراتشي، يتم تسخير التعاطف (التراحم) كأداة حيوية تساهم في بناء الثقة والحفاظ على التزام الموظفين في الخطوط الأمامية بتعزيز نظام الرعاية الصحية.
    AKU
منيرة رشيد: تعزيز ثقافة التعاطف

"سينسى الناس ما قلته، وسينسى الناس ما فعلته، لكن الناس لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون."-الشاعرة مايا أنجيلو، الحائزة على جائزة بوليتزر.

أزرا فاطمة*، عاملة في مجال الصحة في أومركوت، باكستان، تتنهد بصوت مسموع وهي تطرق باب المنزل العاشر الذي تزوره اليوم، فهذا المنزل يذكّرها بأمر غير سار حدث خلال زيارتها السابقة، حيث تعرّضت لتوبيخ شديد من مديرتها، نعيمة*، المشرفة الصحية نتيجةً لتأخرها في تحقيق هدفها في الوصول إلى الـ 100 منزل في الأسبوع.

أثّرت فيها المكالمة الهاتفية، ومنحتها الشعور بالإحباط، وجعلتها قلقة قبيل زيارة المنزل التالي. رغم تراجع معنوياتها، أصرّت أزرا على المتابعة وهي تتذكر الشعور الذي سببته لها تلك المكالمة الهاتفية، وجعلت عملها أكثر صعوبة. ثمة شكوى شائعة من قبل العاملات في مجال الصحة، مثل أزرا، حيث أنهن يشعرن بالإرهاق، ولا يتلقين الدعم من المشرفات عليهنّ.

علاوةً على ذلك، أدى التركيز فقط على تحقيق الأهداف إلى ثقافة مشبعة باللوم، حيث يقوم كل كادر بتحميل مسؤولية المشاكل في النظام للطرف الآخر. تقول السيدة منيرة رشيد، أستاذة بارزة في طب الأطفال وصحة الأطفال في جامعة الآغا خان، ومديرة قسم "تجربة المريض من الرعاية" في مستشفى الأطفال التابع لمستشفى جامعة الآغا خان: "ثمة جزء كبير مفقود في النظام الذي تعمل فيه العاملات في مجال الصحة، وهو التعاطف. أصبح الأداء يشكّل أهمية أكثر بكثير مما يشعر به الأشخاص والعاملون في مجال الصحة كما لو أنهم أصبحوا مجرد وسيلة لتحقيق الغاية، وهذا يؤثر على سعيهم لتحقيق الأهداف الأوسع للبرنامج".

تكمن المشكلة في النظام مباشرة، حيث تشكو المشرفات الصحّيات اللواتي يشرفن على عمل العاملات في مجال الصحة، من شعورهن بالحزن أيضاً. تخضع نعمة، مشرفة أزرا، لضغوط في سبيل تحقيق الأهداف ذاتها، وقد أصبحت تعتقد أنه لن يتم تحقيق أي من تلك الأهداف إذا لم تكن صارمة مع العاملات في مجال الصحة اللواتي يقدمن لها التقارير.

وأوضحت السيدة رشيد: "قد لا يكون بمقدورنا التقليل من عبء العمل الواقع على العاملات في مجال الصحة والمشرفات الصحّيات، إلا أن نهج التعاطف يمكن أن يغيّر من تصوراتهن تجاه عملهن. يمكن للرعاية والتعاطف أن تغيّر من طبيعة اليوم عند الشخص والفريق المتحمس من العاملات في مجال الصحة والمشرفات الصحّيات، ما يساهم في تقديم برامج مهمة داخل البيوت وبشكل أكثر فعالية، الأمر الذي يساهم في معالجة التحديات التي تواجه الرعاية الصحية في باكستان".

بعد حصولها على منحة من البنك الدولي، اعتمدت السيدة رشيد على خبرتها في العمل مع ممرضات الأطفال في مستشفى جامعة الآغا خان لتطوير تدخل رائد من شأنه المساعدة في تحقيق هدفين:

1. تعزيز ثقافة التعاطف في جميع أنحاء برنامج العاملات في مجال الصحة من خلال تطبيق مكوناته على العمليات اليومية للبرنامج.

2. تمكين العاملات في مجال الصحة من تقديم تدخل جديد، عبر تحفيز التعلم المبكر من خلال مجموعة من الأنشطة التعليمية المُصممة لتعزيز النمو عند الطفل من الناحية المعرفية والاجتماعية والعاطفية وذلك بالشراكة مع مجموعة المجتمع المدني، ميثاق التراحم في باكستان.

إطلاق التدخل المشترك

وفقاً للسيدة رشيد، تمثل السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل فترة الذروة في نمو الدماغ، ويعتمد نجاح مبادرة تحفيز التعلم المبكر على قدرة العاملات في مجال الصحة على بناء علاقة مع الأمهات، الأمر الذي يؤدي بدوره على تغيير أسلوبهن في تربية الأطفال. لن يكون بناء هذه العلاقة ممكناً دون معالجة قضايا مشاركة القوى العاملة في برنامج العاملات في مجال الصحة.

وقد أدى التدخل المشترك إلى الجمع بين مسؤولي الصحة المحليين، والمشرفات الصحّيات والعاملات في مجال الصحة اللواتي يعملن في نفس المواقع في مقاطعتي أُمركوت وثارباركر. وقد لاحظن شيئاً غير عادي خلال الجلسة الأولى للبرنامج: على الرغم من عملهن معاً لسنوات، إلا أن معظمهن لم يلتقين في السابق ببعضهن البعض في قاعة واحدة. إضافةً لذلك، كانت قلة ممن يعرفن بعضهن البعض، لكن اتصالاتهن كانت تتم بصفة رسمية فقط.

تنمية التعاطف والامتنان والشجاعة

بعد أن تعرَّف أعضاء الفريق على بعضهن البعض شخصياً، أجرت السيدة رشيد وفريقها تمريناً يتمثل في تبادل لعب الأدوار بين المشرفات والمرؤوسات، بينما قام أعضاء آخرون بلعب دور الأم وطفلها. بعد تمثيل سلسلة من التحديات اليومية التي تواجه العاملات في مجال الصحة في المنزل، لاحظ المدربون تغييراً إيجابياً في الجو العام في الغرفة، حيث تفاجأت المشرفة الصحّية من التجربة ولاحظت أنها لم تدرك مدى الصعوبات التي تواجهها العاملات في مجال الصحة. وبالمثل، لاحظت العاملات في مجال الصحة أن هذه كانت واحدة من المرات القليلة التي شعرن فيها بالثقة، بدلاً من الخوف، وهن يتحدثن إلى المشرفة.

بدوره، يوضح علي الزبيري، من مجموعة ميثاق التراحم، أن لعب الأدوار يمثل طريقة مفيدة على نحو خاص لتحسين ديناميكيات المجموعة لأنها تساعد على تنمية التعاطف والتواضع، وهي مكونات حاسمة في العقلية التي تتسم بالتعاطف (التراحم). ويضيف أن النشاط ساهم في تسليط الضوء أيضاً على التأثير المُحبط الذي يُحدثه النقد العام، فضلاً عن انعدام التقدير نوعاً ما بين المشاركات، وأن التواصل بينهن محصور فقط عندما لا يتم تحقيق الأهداف.

نمذجة التواضع والتركيز والتعاطف الذاتي

يتضمن التدخل أيضاً مجالي التدريب والإرشاد أثناء العمل لنمذجة قيمة الملاحظات الداعمة، وهذا أدى إلى جعل المشرفات الصحّيات يفهمن أن التوبيخ أو مقاطعة العاملات في مجال الصحة أثناء حديثهن مع الأم يؤثر على مصداقيتهن، فضلاً عن التأثير على جدية عملهن أثناء زيارات المتابعة. تم تقديم التوجيه للمشرفات الصحّيات حول كيفية تقديم الدعم العاطفي أو مساعدة العاملات في مجال الصحة خلال الزيارات التي يمكن أن تعزز من تكوين العلاقات مع الأمهات.

كان ثمة أيضاً دروس مهمة تتمثل في اليقظة (التركيز الكبير) عند العاملات في مجال الصحة، حيث تم زتذكيرهن بأهمية الرعاية الذاتية من خلال سلسلة من العروض التقديمية. تتولى كل عاملة في مجال الصحة مسؤوليتها تجاه مجموعة من المنازل، وهي تواجه مجموعة من التحديات الخاصة، وقد أخبر أعضاء هيئة التدريس الحضور من العاملات في مجال الصحة والمشرفات الصحّيات أن تأنيب النفس على أخطاء الماضي، أو التفكير بإحدى التجارب السيئة يمكن أن يتحول إلى قلق يحدّ من تحقيق الأهداف، وهو ما سيؤثر على قدرتهن في التواصل مع الأمهات في منازل أخرى.

كما تم حث العاملات في مجال الصحة على إيلاء اهتمام وثيق للتحديات التي تواجهها العديد من الأمهات اللواتي يعشن في أُسر كبيرة مشتركة. وقالت السيدة رشيد للمشاركين: "من الشائع أن تقوم الأمهات بعد الاستماع لنصائح الأمومة المقدمة لها، ولا سيّما إذا قام أحد الغرباء بتقديمها في المنزل، ولكن عندما تخصص العاملة في مجال الصحة الوقت للاستماع إلى الأم والتعاطف مع تحدياتها، يمكن أن يمنح ذلك الأم الشعور بالراحة خلال كل زيارة، وهنا تصبح الأم أكثر تقبّلاً للرسائل المتعلقة بالصحة على الفور، وغالباً ما تحاكي السلوك اللطيف واليقظ الذي تقوم به العاملة في مجال الصحة من خلال تفاعلاتها مع طفلها".

تحفيز التعلم المبكر

يتضمن المكون الثاني من التدخل الذي تقوم به العاملات في مجال الصحة والمشرفات الصحّيات تطبيق عناصر نهج التعاطف خلال سعيهنّ لتعريف الآباء بأهمية تحفيز التعلم المبكر. تم إبلاغ العاملات في مجال الصحة حول أفضل الطرق لمناقشة أهمية التفاعل المنتظم مع الطفل وتحفيزه من خلال الأنشطة القائمة على اللعب. وقد تم تقديم التوضيحات للمشاركين بكيفية مشاركة الطفل أثناء الاستحمام أو أثناء تناول الأطعمة الغذائية المكمّلة. وتعلمت العاملات في مجال الصحة والمشرفات الصحّيات كيفية استخدام الأدوات المنزلية البسيطة مثل العبوات البلاستيكية الفارغة (قناني) والأحجار لصنع ألعاب تجذب انتباه الطفل.

ترسيخ ثقافة التعاطف

منذ الجلسة الأولى وحتى الآن، تم إجراء برامج المتابعة كل شهرين، الأمر الذي قدم الفائدة لأكثر من 320 من العاملات في مجال الصحة و50 من كبار الموظفين، بما في ذلك المشرفات الصحّيات. تبقى الكلية على اتصال مع المشرفات الصحّيات لإرشادهن حول كيفية دمج مكونات التعاطف في تقييماتهن للعاملات في مجال الصحة وتحديث توصيفات مهنة العاملات في مجال الصحة لضمان أن هذه الممارسات تتأصل ضمن البرنامج الأوسع.

كانت النتائج المبكرة للبرنامج إيجابية، حيث لاحظت إحدى العاملات في مجال الصحة بعضاً من هذا التغيير من خلال قيام مشرفتها بسؤالها عما إذا كانت قد عادت من الحج.

وأضافت السيدة رشيد: "إن نجاح البرنامج الخاص بالعاملات في مجال الصحة يكمن في تذكير الآباء، ومتابعة ما تقوم به العاملات في مجال الصحة خلال زياراتهن. تمثل الرعاية الصحية علماً وفناً، ويمكن للتعاطف (التراحم) أن يكون أداةً حيويةً تساهم في بناء الثقة والحفاظ على التزام الموظفين في الخطوط الأمامية بتعزيز نظام الرعاية الصحية لدينا، والمساعدة في إقناع المجتمعات في جميع أنحاء البلاد بتغيير حياتهم نحو الأفضل".

انتهى التدخل في فبراير 2020. غطت المنحة جلسات تعزيز القدرات في 10 مجالس نقابية في مقاطعتي أومركوت وثارباركار. يتوق الفريق إلى الاستفادة من نجاح التدخل من خلال البحث عن تمويل جديد لتوسيع القيام به في أجزاء أخرى من البلاد.

* تم تغيير الأسماء حفاظاً على هوية الأفراد.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في 18 نوفمبر 2019 على موقع جامعة الآغا خان.