أنت هنا

أنت هنا

  • تُلقي الدكتورة إليزابيث كانون، رئيسة جامعة كالغاري كلمةً أمام الحضور خلال فعاليات الحفل الذي منحت فيه جامعة كالغاري سمو الآغا خان درجة الدكتوراه الفخرية في القانون من مرتبة الشرف.
    AKDN / Asif Bhalesha
كلمة الدكتورة إليزابيث كانون، رئيسة جامعة كالغاري، تتحدث فيها عن سمو الآغا خان

سمو الآغا خان،

تتشرف جامعة كالغاري اليوم بالتعبير عن تقديرها للصداقة والشراكة التي تربطها مع المثال الروحي لسمو الآغا خان، الإمام والزعيم الروحي لمجتمع المسلمين الشيعة الإسماعيليين، والذين يبلغ عددهم خمسة عشر مليون إسماعيلي، وهم مجتمعٌ عالميٌ يمثل التقاليد والقيم الوفيرة لشعب ساهم بإغناء الثقافة والتعددية في أكثر من خمسة وعشرين دولة.

يساهم الإسماعيليون هنا في كندا بشكل كبير في إثراء النسيج المتنوّع الذي نعتز به كثيراً، فخلفيتهم الفكرية والتعليمية الرائعة، واندماجهم الكامل يُعتبر أمراً رائعاً، إضافةً إلى أن روحهم التوّاقة للعمل من أجل التخفيف من المشقات والألم والجهل تُشكّل ضميرهم الاجتماعي، ويمتد تأثيرها لكل من حولهم.

يسلّط اهتمام سموّه بمجالات الفنون والعلوم والتنمية الاقتصادية الضوء على التقاليد الإسماعيلية، وهو يقود هذا المجتمع المرن، الذي يتحلّى بروح الإيثار، ويعتقد أن الإيمان الحقيقي يتجلى عبر المساهمة في تحقيق الرفاهية العامة وفعل الخير مع الجميع. لقد استفاد سكان كالغاري على نحو كبير من التواجد الإسماعيلي في مدينتنا الشابة والمتنوعة.

نميل، في زماننا العلماني، إلى تحويل الروحانية إلى مجال منفصل، كما لو أنها لا تؤثر على التحديات اليومية التي يفرضها جميع من ينتمي لهذا العالم. يُقدم سموه عِبَرَاً فحواها أن تلك العناصر ليست متباينة، بل مترابطة ومتشابهة، ويمكن لها أن تتفاعل بشكل مثمر في العالم الدنيوي. وكان تفسيره المعاصر لعقيدة الإسلام، من خلال السياقات المتغيّرة، دليلاً رائعاً على ضرورة الحفاظ على التوازن بين الرفاهية الرائعة ونوعية الحياة الفردية. ورغم ذلك، فإن احترامه للارتباط الأخلاقي والمسؤولية والثقة يشمل المعتقدات المتطوّرة.

يُعتبر سمو الآغا خان الإمام والزعيم الروحي التاسع والأربعين لمجتمع المسلمين الشيعة الإسماعيليين في العالم، وهو سليل النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وُلد سموّه في جنيف، وأمضى طفولته في نيروبي، كينيا، ودرس في سويسرا وتخرّج من جامعة هارفارد.

تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها أثارت مبادرات سموّه الإنسانية والتعليمية العديدة، والتي تُمثل جميعها نموذجاً استثنائياً للإطلاع على مدى المعرفة التي يتمتع بها هذا الزعيم الراقي تجاه كوكبنا المتغيّر.

والأهم من ذلك كله، يتفهم سموّه التعقيدات التي تشوب أحياناً بعض العصور المضطربة بوصفها نعمةً ساحرةً وممتعةً. وبهذه الروح التي يتحلى بها، يتطلع العالم بأسره إلى شخصيته الكريمة والبنّاءة ورفيعة المقام باحترام وإعجاب كبيرين.

تعهّد سموّه في هذه الأوقات المقلقة بمواجهة التحديات، وهو يسعى من خلال أعماله إلى تحسين الظروف المادية لأولئك الأقل حظاً، فضلاً عن نشر الموارد الإستراتيجية في وقت تُثبِّط فيه التغييرات المفاجئة والتطورات غير المتوقعة عملية التقدم، إضافةً إلى أن اهتمام سموّه بالصحة والتعليم يتجاوز الطموح.

يشكّل سموّه قوةً ذات مغزىً في عملية التنمية على المستوى الدولي، وهو يُعيد تشكيل أفق الأمل والتقدم الواقعي والنشط من الناحية الأخلاقية.

تتجلى حيوية سموّه الرائعة عبر قيادته لشبكة الآغا خان للتنمية، والتي تضم بين وكالاتها العديدة جامعتين: جامعة الآغا خان وجامعة آسيا الوسطى. تُعدُّ هاتين المنظمتين نواةً تأسيسية للصحة والتعليم والتنمية وحماية البيئة، فضلاً عن الإنعاش الثقافي والاقتصادي. والأهم من ذلك، أنهما تقدمان المثل العليا للمجتمع المدني، وهو أمر ضروري للغاية في الوقت الراهن، حيث يسود حالياً مناخ الانقسام وعدم الاحترام. يُشكّل سموّه مثالاً حيّاً لكيفية العمل معاً من أجل دعم التقدم البشري على المستوى المحلي وفي كافة أرجاء العالم.

يعمل سموّه على بناء الجسور وخلق الفرص لتحقيق الازدهار عند الجميع على المستويين المحلي والدولي وذلك باعتباره مؤسس ورئيس شبكة الآغا خان للتنمية، وهي مجموعة من الوكالات الدولية المكرّسة لرفع مستوى وجودة الحياة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم وتقديم الخدمات الاجتماعية، فضلاً عن الهندسة المعمارية، وعمليات الترميم والحفاظ على الثقافة، إلى جانب الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والتنمية الريفية والحضرية والمجتمع المدني.

تتضمن وكالات شبكة الآغا خان للتنمية: مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية، مؤسسة الآغا خان للخدمات التعليمية، أكاديميات الآغا خان، ومؤسسة الآغا خان للقروض الصغيرة، إضافةً إلى مؤسسة الآغا خان ووكالة الآغا خان للسكن، وجامعة الآغا خان وجامعة آسيا الوسطى.

ينسّق صندوق الآغا خان للثقافة القيام بالعديد من الأنشطة الثقافية، ومن ضمنها جائزة الآغا خان للعمارة وبرنامج الآغا خان للمدن التاريخية وبرنامج الآغا خان للموسيقى ومتحف الآغا خان وبرنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

استفدنا هنا في كندا من المبادرات الفريدة التي قامت بها الإمامة، بما في ذلك متحف الآغا خان والمركز العالمي للتعددية، وبالطبع حديقة الآغا خان في ألبرتا التي افتتحها سموّه أمس في إدمونتون.

يهتم صندوق الآغا خان للتنمية الاقتصادية بتعزيز ريادة الأعمال والمشاريع الاقتصادية في العالم النامي، وغالباً في البلدان التي تحتاج إلى استثمار خارجي. هذا وتقدم الشبكة الصحية الدعم لـ 325 مركز في العديد من البلدان، وتشمل الاستراتيجيات التعليمية 240 مدرسة مُصمِّمة على إزالة العوائق التي تحول دون الوصول إلى التعليم وإنجازه.

ويقدم سموّه من خلال هذه الشبكة دليلاً ملموساً على الجمع بين الإيمان والعمل، والبحث بجدٍ عن حلول للجوع والفقر والأمية والمشاكل الصحية. لقد كان سموّه مثالاً رائعاً ومفيداً في تشكيل المثل والتطلعات العالمية، وتعزيز التعددية والتعاطف، فضلاً عن الاهتمام الكبير بالأنشطة الثقافية المتنوعة والكرامة الإنسانية. ويمتاز سموّه بوصفه شخصيةً بارزةً في تحقيق التنمية على المستوى الدولي، ومنحها جمالاً طبيعياً.

استفدنا أيضاً هنا في جامعة كالغاري من العلاقة المنتجة التي تتحلى بها شبكات سموّه البصيرة والمثالية. ركّزت الروابط الإيجابية مع كليات الدراسات العليا والتمريض والفنون، وكلية ويركلوند للتربية على الاهتمام الكبير بمجال التعليم، وتحقيق التنمية على الصعيد الدولي، فضلاً عن الاهتمام بالصحة والعافية والحقوق الاجتماعية وحقوق الإنسان.

أثمر هذا التعاون في تطوير برنامج اللغات والثقافة العربية بكلية الآداب، الذي يعمل على إشراك الطلاب في التعرّف على الحضارات واللغات والثقافات الإسلامية، إضافةً إلى أن المناسبات مثل الاحتفال بمولد النبي يوّفر فرصةً فريدةً لطلابنا لاكتساب فهمٍ ومعرفةٍ ثقافيةٍ أعمق تجاه الحضارة الإسلامية.

تعاوننا غنيٌ ومتنوعٌ، وقد انخرطنا مع جامعة الآغا خان من خلال برنامج اليوبيل الماسي للملكة إليزابيث الثانية وبرامج العلماء والباحثين المتقدمين المشاركين في فرص البحث في حرم جامعة الآغا خان في باكستان وكينيا وأوغندا، إضافةً إلى ترحيبنا بباحثيهم الدوليين هنا.

تقوم كلية التمريض في جامعة كالغاري من خلال هذا المشروع بتطوير قادة المستقبل في المواطنة العالمية في مجالات صحة الطفل والأم، وصحة الأطفال حديثي الولادة، فضلاً عن الصحة النفسية لما قبل وبعد الولادة. يشارك طلابٌ من كلية الآداب وكلية ويركلوند للتربية في اختبارات تحديد المستوى في جامعة الآغا خان. وستُجري كلية كَمينغ للطب خلال السنوات القادمة شراكةً مع جامعة الآغا خان في مجال الأبحاث والممارسة في علوم القلب.

تُمثّل هذه الكلمة، "القلب"، استحضاراً حاسماً، فالقلب هو نواة ما يجسّده سموّه: القلب والشغف لإلهام الآخرين قولاً وفعلاً. هذا ويتشارك الطلاب الإسماعيليون وأعضاء هيئة التدريس والموظفون هذا الشغف، وهم يتحلون بروح الإيثار ويتطوعون من أجل تعزيز المبادئ التي وضعها سموّه.

ومن خلال مجموعة رائعة وعظيمة من المفكرين، ممن هم بارعون في الشعر وببصيرة العقل البشري، عزز سموّه من العدالة الاجتماعية كحلم يتوق الجميع لتحقيقه. إنه يمثل أسطورةً حيّةً، ونموذجاً فريداً لكل ضمير.

نتشارك نحن الكنديون مع سموّه بهذا الحلم، فهو مواطن كندي فخري.

ويبدو أن مدينة كالغاري أيضاً تشارك سموّه حب الخيول السريعة، فهي منذ أيامها الأولى كانت تُعرف باسم "مدينة الخيول"، وقد زرع فينا أجدادنا عبر التاريخ الطويل حبّ الخيول الرشيقة. هنا، في البراري الشاسعة والتلال، ترمز الخيول إلى مناظرنا الطبيعية وإلى طموحاتنا الكبيرة، ونتمنى أن يواصل سموّه مشاركة أحلام الحرية والجمال والعمل مع الآخرين.

لا يعبّر ثناءنا إلا عن القليل ممّا يتحلى به سموّه، فرسالته تُصرّ دوماً على بناء الجسور، وإقامة الصداقات، وإيجاد أرضية مشتركة مع جميع الأديان، فضلاً عن تأكيده بأنه يتوجب على الجميع التفكير في أولئك الذين ساهموا في حياتنا، وأهمية تذكّر المساهمة في تغيير حياة الآخرين نحو الأفضل.

إننا ممتنون اليوم لوجود سموّه معنا، ويُشرّفنا أنه قَبِلَ تكريمنا.